فخر الدين الرازي
479
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
علي كظهر أمي ، فإما أن يكون لفظ الظهر ، ولفظ الأم مذكورين وإما أن يكون لفظ الأم مذكورا دون لفظ الظهر ، وإما أن يكون لفظ الظهر مذكورا دون لفظ الأم ، وإما أن لا يكون واحد منهما مذكورا ، فهذه أقسام أربعة : القسم الأول : إذا كانا مذكورين وهو معتبر بالاتفاق ، ثم لا مناقشة في الصلاة إذا انتظم الكلام ، فلو قال : أنت علي كظهر أمي ، أو أنت مني كظهر أمي ، فهذه الصلاة كلها جائزة ولو لم يستعمل صلة ، وقال : أنت كظهر أمي ، فقيل : إنه صريح ، وقيل : يحتمل أن يريد إنها كظهر أمه في حق غيره ، ولكن هذا الاحتمال كما لو قال لامرأته : أنت طالق ، ثم قال : أردت بذلك الإخبار عن كونها طالقا من جهة فلان . القسم الثاني : أن تكون الأم مذكورة ، ولا يكون الظهر مذكورا ، وتفصيل مذهب الشافعي فيه أن الأعضاء قسمان ، منها ما يكون التشبيه بها غير مشعر بالإكرام ، ومنها ما يكون التشبيه بها مشعر بالإكرام ، أما الأول : فهو كقوله : أنت علي كرجل أمي ، أو كيد أمي ، أو كبطن أمي ، وللشافعي فيه قولان : الجديد أن الظهار يثبت ، والقديم أنه لا يثبت ، أما الأعضاء التي يكون التشبيه بها سببا للإكرام ، فهو كقوله : أنت علي كعين أمي ، أو روح أمي ، فإن أراد الظهار كان ظهارا ، وإن أراد الكرامة فليس بظهار ، فإن لفظه محتمل لذلك ، وإن أطلق ففيه تردد ، هذا تفصيل مذهب الشافعي ، وأما مذهب أبي حنيفة ، فقال أبو بكر الرازي في « أحكام القرآن » : إذا شبه زوجته بعضو من الأم يحل له النظر إليه لم يكن ظهارا ، وهو قوله : أنت علي كيد أمي أو كرأسها ، أما إذا شببها بعضو من الأم يحرم عليه النظر إليه كان ظهارا ، كما إذا قال : أنت علي كبطن أمي أو فخذها ، والأقرب عندي هو القول القديم للشافعي ، وهو أنه لا يصح الظهار بشيء من هذه الألفاظ ، والدليل عليه أن حل الزوجة كان ثابتا ، وبراءة الذمة عن وجوب الكفارة كانت ثابتة ، والأصل في الثابت البقاء على ما كان ترك العمل به فيما إذا قال : أنت علي / كظهر أمي لمعنى مفقود في سائر الصور ، وذلك لأن اللفظ المعهود في الجاهلية هو قوله : أنت علي كظهر أمي ، ولذلك سمي ظهارا ، فكان هذا اللفظ بسبب العرف مشعرا بالتحريم ، ولم يوجد هذا المعنى في سائر الألفاظ ، فوجب البقاء على حكم الأصل . القسم الثالث : ما إذا كان الظهر مذكورا ولم تكن الأم مذكورة ، فهذا يدل على ثلاثة مراتب : المرتبة الأولى : أن يجري التشبيه بالمحرمات من النسب والرضاع ، وفيه قولان : القديم أنه لا يكون ظهارا ، والقول الجديد أنه يكون ظهارا ، وهو قول أبي حنيفة . المرتبة الثانية : تشبيهها بالمرأة المحرمة تحريما مؤقتا مثل أن يقول لامرأته : أنت علي كظهر فلانة ، وكان طلقها والمختار عندي أن شيئا من هذا لا يكون ظهارا ، ودليله ما ذكرناه في المسألة السالفة ، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ وظاهر هذه الآية يقتضي حصول الظهار بكل محرم فمن قصره على الأم فقد خص والجواب : أنه تعالى لما قال بعده : ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ دل على أن المراد هو الظهار بذكر الأم ، ولأن حرمة الأم أشد من حرمة سائر المحارم ، فنقول : المقتضي لبقاء الحل قائم على ما بيناه ، وهذا الفارق موجود ، فوجب أن لا يجوز القياس . القسم الرابع : ما إذا لم يذكر لا الظهر ولا الأم ، كما لو قال : أنت علي كبطن أختي ، وعلى قياس ما تقدم يجب أن لا يكون ذلك ظهارا . البحث الثاني : في المظاهر ، وفيه مسائل :